1 ربيع الأول 1439 / 20 نونبر 2017
جديد الكتب

الرسول في مرآة الفكر الاستشراقي
الرسول في مرآة الفكر الاستشراقي

ذ. فاطمة الزهراء الحاتمي
باحثة بالوحدة العلمية لمجلة الإحياء/الرابطة المحمدية للعلماء
 

 

أصدر المؤلف المغربي أحمد بابانا العلوي، كتابا بعنوان "الرسول في مرآة الفكر الاستشراقي"،  الصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، في طبعته الأولى سنة 2016. وهو كتاب من الحجم المتوسط، يتكون من 184 صفحة. تضمن الكتاب، استهلالا، ومجموعة من المحاور اشتملت مدخلا لصورة النبي، صلى الله عليه وسلم، في الكتابات الاستشراقية، الرسول في مناهج الفكر الاستشراقي، مناهج البحث في السيرة عند العلماء والمفكرين، السيرة النبوية في الخطاب الاستشراقي، النبوة ووجهة الأنبياء، المقاربة الاستشراقية للمرحلة المكية والمدنية، ثم النبوة والتاريخ، وكذا خاتمة ضمنها استنتاجاته من هذه الدراسة.

يأتي البحث، أو كما أسماه الأستاذ أحمد بابانا العلوي، "قراءة" ليطلعنا من خلالها على السيرة النبوية ورؤية الفكر الاستشراقي لهذه السيرة، حيث استهله بتعريف الاستشراق كونه أداة من أدوات السياسات الاستعمارية الأوربية، والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى إضعاف مثل الإسلام العليا، بغية إثبات تفوق عظمة ومبادئ الغرب.

ولمعرفة أو فهم هدف الاشتغال على نصوص التراث الإسلامي، يرى العلوي أنه من الضروري الاهتمام ببنية النسق المعرفي للاستشراق. وهي المعرفة المتسمة بالتأويلات المتعسفة، التي يطغى عليها البعد الإيديولوجي، والهادفة إلى نشر وإشاعة الأوهام والأغلاط، وتغييب البعد الروحي والقدسي للنبوة، وطمس دور هذه الأخيرة  باعتبارها قوة فاعلة في التاريخ.

ويبقى الهدف من هذا الكتاب، كما يشير المؤلف في المقدمة، هو إبراز ما وقع فيه المستشرقون من تأويلات مغرضة ومجانية لروح العلم، من خلال القراءة في الفكر الاستشراقي، استنادا إلى الأبحاث والدراسات التي أنتجها هؤلاء المفكرون في القرن 19، إبان انتشار الثقافة الإسلامية، وبسط الغرب سيطرته على البلاد الإسلامية، وكذا استكشاف  مضامين الفكر الاستشراقي ومناهجه الغربية (الفيلولوجي، المادي، الجدلي، التاريخي، الوظيفي، البينيوي...) التي أخضعت نصوص التراث الإسلامي للفذلكة والتشريح بهدف إعادة صياغته، حتى تلائم الصورة النمطية التي تخدم الحضارة الغربية وفلسفتها.

واستنادا إلى فكرة "العلم بمعزل عن الخلق، والتطبيق بات عديم القيمة، سيء الغاية، فاسد النتيجة"، ركز العلوي على عنصر "الأمانة" في العلم والتي تقتضي العدالة في الرواية، وهو ما تمتاز به أخلاق فضلاء العلماء من الأوربيين. فالشهادة تتطلب الاستقامة وملازمة التقوى والمروءة حتى تتمكن النفوس من التصديق والثقة بعيدا عن الكذب والأغراض المنفعية.

إذا كان أسلوب هؤلاء المستشرقين، خلال دراستهم الإسلام، هو أسلوب استخفاف، يترفعون فيه عن معالجة موضوع الإسلام استنادا إلى المساواة بينه وبين العقائد الشائعة بين الغربيين، فإن ذلك، بالنسبة للكاتب، راجع لتعصبهم لعقيدتهم وإيمانهم ببطلان كل العقائد المخالفة لها، رغم أن الاهتمام بالنبي وبالإسلام، هو من بين أهداف الدول الكبرى، لتتمكن من معرفة نظرة الإسلام للعالم، ونظرة هذا الأخير للإسلام.

كشفت قراءة الأستاذ العلوي لهذا الفكر الاستشراقي، عن وجود تفاوت بين العلماء الغربيين في تناولهم للسيرة النبوية وموضوع الإسلام، وذلك حسب البواعث والنيات، ففريق يهتم بالحقائق ويثبتها ويثني على صاحب الرسالة، والفريق الأخر، المتعصب لدينه، يطمس الحقائق ويزيف التاريخ. وهو الوضع الذي دفع بالباحث، إلى الحث على ضرورة الإطلاع على هذه النوعية من الدراسات، والاستفادة من الجيد منها، ومعرفة مدى صدق أصحابها، والكشف عما إذا كانوا يشتغلون عن جهل وهوى، أو عن علم ودراية.

بعد الإطلاع على ما جاء في كتابات المستشرقين، وكيف تناولت مناهج هذا الفكر سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتجاوزا لتضارب الآراء والتفسيرات، خلص المؤلف، في مجموع من الملاحظات، إلى ضرورة مناشدة الباحثين، عن طريق تقصي الحقائق من خلال النقد والمحاسبة حتى يتبين للناس ضعف المصادر المعتمدة، وأخطاء فهم النصوص، وإظهار ما يضمره هؤلاء الباحثون من عداء اتجاه الإسلام، والأغراض السياسية والدينية لهذه النوعية من المؤلفات والأعمال.

فإذا كانت الدراسات الاستشراقية في معظمها، حسب ما جاء في قراءة العلوي، تفصل السيرة عن روحها، طمسا للمبادئ الأساسية للرسالة المحمدية، على اعتبار أن شخصية الرسول هي نتاج فعل اجتماعي فرضته الظروف الدينية والاجتماعية والسياسية لواقع الجزيرة العربية آنذاك، فإن  هناك دراسات تتغي التعرف على السيرة النبوية والتعريف بها، بعيدا عن كل تشويه أو تجريح، أو الإطاحة بقيمة السنة النبوية ومكانتها في توجيه المجتمعات الإسلامية، وتنوير العقول وإسعاد القلوب، وهذا راجع بالأساس إلى كون فريق من هؤلاء الدارسين؛ طلاب علم يتعصبون للدعوة المادية، عكس طلاب العقيدة المتعصبون للدين سواء كان هذا التعصب عن قناعة وإيمان بالفكرة، أو بهدف الغش والتحوير وإنتاج أفكار وآراء مشوهة عن إصرار وتعمد، دون عناء الدراسة الواعية للدين الإسلامي.

ويرجع الكاتب هذا التباين والانقسام في نظرة هؤلاء المستشرقين للسيرة النبوية، وتعصبهم الديني، إلى الحروب الصليبية، عندما كانت خطاباتهم الدينية تكتسي طابع العدوانية، داعية إلى محاربة المسلمين، مما تسبب في تسميم العقل الغربي وحشوه بالتفسيرات الخاطئة للتعاليم والمثل الدينية، وكذا الكذب على الرسول وإلصاق بعض التهم والافتراءات بشخصه عليه الصلاة والسلام، خاصة في كلامه عن المسيح عليه السلام، حيث أنهم حصروا نظرة النبي للمسيح في الشهوة والانحراف.

ومن تداعيات الحروب الصليبية، يضيف أيضا، أنها أخضعت السيرة النبوية لعلمنة الفكر، وذلك بالنظر إلى الإسلام باعتباره نظاما "ثيوقراطيا"، وهو ما يتعارف عليه بكون أن " سلطة الحكم مستمدة من الله.. مستأثرة بجاه الدين والدنيا وحق الخلافة والسطوة" وهو ما كان عليه ملوك أوروبا عندما ادعوا "الحق الإلهي"، منكرين حق الرعية في الشورى  والرقابة على الحكومة.

إذا كان الفكر الغربي، يضع حاجزا بين الدين والدنيا،  رغبة منه في الانتقام من رجال الكنيسة والنبلاء، فإن الإسلام، وكما جاء في خاتمة هذا الكتاب، هو دين ودنيا، إذ أن كل شيء في هذا الوجود خاضع لسلطان أسمى، كون أن الفكر الموضوعي لا يعترف بهذا الفصل، لأنه كطاقة روحية من صلب طبيعة البشر.

ومواجهة لهذا الوضع، يرى الأستاذ بابانا العلوي، أن المفكرين المسلمين ملتزمون بشمولية الإسلام، باعتباره دينا ودنيا، وكل نظام سياسي لا يستهدف هذين البعدين، إلا ويكون فاقدا لمشروعيته، مضيفا أن النظم الإسلامية، وعلى رغم اختلاف أنماطها، تستقي أهدافها من السنة والقرآن، وذلك في تدبير أمور مجتمعاتها، في إطار أحكام إلاهية، تستند إلى العدل والحق والمساواة والشورى، ودائما، ما تصب أنظمة الحكم في الإسلام لمصلحة المحكومين، لا مصلحة الحاكمين.

ولعدم الوقوع في الخلط بين الاستشراق المعرفي، والاستشراق المؤدلج، يوصي أحمد بابنا العلوي بضرورة توخي الحذر لدى الباحث الاستشراقي، لأن الاستشراق المعرفي يعمل على خلق الحوار والتواصل بين حضارة الإسلام وحضارة العصر، وكذا التعريف بالحضارة الإسلامية، في حين أن الاستشراق المؤدلج يبحث في النواقص، بهدف التقليل من أصالة الحضارة الإسلامية، سواء كان الدافع جهلا، أو إساءة متعمدة، نتيجة تعصب ديني أو عوامل أخرى.

يشار إلى أن الكاتب أحمد بابنا العلوي، المتخصص في العلوم السياسية، له إنتاجات تشمل الفكر والحضارة والتراث، إلى جانب دراسات وقراءات أخرى تعالج موضوع الاستشراق، من بينها المستشرقون والدراسات القرآنية، مناهج المستشرقين في دراسة القرآن الكريم، إضافة إلى كتابين اثنين "فصول في الفكر والسياسة والاجتماع" سنة 2008 و " علال الفاسي المفكر السلفي المجدد" سنة 2010.

 




: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الثورة الرابعة.. كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟

الثورة الرابعة..
كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني؟

صدر العدد 452/2017 من سلسلة كتاب "عالم المعرفة" التي دأب المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت على نشرها، منذ يناير 1978. وقد انصب موضوع هذا العدد حول "الثورة الرابعة.. كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني" من تأليف لوتشيانو فلوريدي، وترجمة لؤي عبد المجيد السيد. يقع الكتاب، ذو الحجم المتوسط في300 صفحة، متضمنا مقدمة وعشرة فصول.

سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية للدكتور طه عبد الرحمان

سؤال العنف
بين الائتمانية والحوارية
للدكتور طه عبد الرحمان

صدرت حديثا الطبعة الأولى من كتاب: "سؤال العنف.. بين الائتمانية والحوارية"، للفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن، عن بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، في طبعته الأولى سنة 2017، وقد جاءت هذه الدراسة في 215 صفحة من الحجم المتوسط، ناقش خلالها فيلسوف الأخلاق الدكتور طه عبد الرحمن مفهوم العنف، وفككه انطلاقا من القواعد المبدئية "للنظرية الائتمانية"...

نقـد الثـقـافـة الغـربيـة في الاستشراق والمركزية الأوروبية

نقـد الثـقـافـة الغـربيـة
في الاستشراق والمركزية الأوروبية

استكمل الأستاذ عبد الإله بلقزيز مشروعه الفكري حول "العرب والحداثة" بإصدار كتابه الرابع والأخير "نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية" عن مركز دراسات الوحدة العربية. وقد صدرت أجزاؤه الثلاثة الأولى: (من الإصلاح إلى النهضة، ومن النهضة إلى الحداثة، ونقد التراث، ثم كتابنا نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية) عن نفس المركز، هاته السلسلة التي ترادفت خلال تسع سنوات...