23 ذو الحجة 1440 / 25 غشت 2019
من أرشيف الإحياء

اللغة العربية.. خصائصها وآثارها التربوية
اللغة العربية.. خصائصها وآثارها التربوية

 

ذ. عبد الواحد بنصبيح

(العدد 12)

 

يقوم هذا البحث أساسا على دعامتين:

ـ الدعامة الأولى: تنبني على النظرية القائلة بعلاقة اللغة بالفكر وبالتالي بعلاقتها بالسلوك، وهي نظرية يكاد يتفق عليها كل العلماء والفلاسفة على اختلاف نزعاتهم ومذاهبهم:

فالنفسانيون السلوكيون ينظرون إلى اللغة كأنساق محفوظة، وعادات يكتسبها الفرد، ومن خلالها يكتسب التفكير نفسه، فهم يعتبرون اللغة والفكر شيئا واحدا لا ينفصل أحدهما عن الآخر، كما لا ينفصل وجها العملة الواحدة عن بعضهما، والاجتماعيون والانتروبلوجيون والفلاسفة الوضعيون المعاصرون ينظرون إلى اللغة كعمق وجمال للفكر، ومن ثم يعتبرونها مصدرا للفكر، وقواما له، وأن حدودها هي حدود الفكر نفسه، ففي رأيهم أن اللغة سبقت الفكر وأن الفكر نشأ بواسطتها وعبر تطورها. ولا يخالف هذه النظرية سوى الفلاسفة المثاليين، إذ يعتقدون أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير، وأنها مستقلة عن الفكر وتابعة له تماما، وأن الأفكار تنشأ من غير أن يكون للغة دور في تكوينها، وهم يعتبرون اللغة مجرد وعاء خارجي يحتوي عملية التفكير[1].

ولقد أثبت الوضعيون ضحالة هذه النظرية، وصارت بالنسبة للدراسات والبحوث اللغوية المعاصرة متجاوزة، فالعالم اللساني (نعام تشو مسكي) مثلا يرى أن اللغة ليست مرتبطة بالفكر فحسب وإنما هي أداة لتكوين الفكر نفسه، ويعتبرها جزءا من علم النفس المعرفي أي من دراسة طبيعة القدرات الفكرية للإنسان[2].

ومعلوم أن اللغات عموما تؤثر في مستعمليها من الناحية السلوكية والاجتماعية بالإضافة إلى الناحية الفكرية، يقول الفيلسوف الألماني (فيشتة) في هذا الصدد: "إن اللغة تلازم الفرد في حياته وتمتد إلى أعماق كيانه وتبلغ أخفى رغباته وخطراته، إنها تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا خاضعا لقوانين موحدة، إنها الرابطة الوحيدة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان"[3].

ويقول العالم اللغوي (سابير) مؤكدا نفس الفكرة: "البشر لا يعيشون في العالم المادي وحده، ولا يعيشون فقط في عالم النشاط الاجتماعي بالمفهوم العادي، ولكنهم في الواقع يعيشون تحت رحمة تلك اللغة التي اتخذوها وسيلة للتفاهم في مجتمعهم، وحقيقة الأمر أن العالم الحقيقي مبني إلى حد كبير على العادات اللغوية لمجتمع معين"[4].

ـ الدعامة الثانية: وهي خاصة باللغة العربية، وترجع إلى طبيعتها المتميزة عن باقي اللغات الأخرى سواء من حيث بنيتها (الصوتية والصرفة والتركيبية والدلالية والرسمية)، أو من حيث تاريخها الحضاري العريق ومكانتها في الثقافة العربية ودورها الديني الإسلامي وبعدها السياسي القومي.

وفي اعتقادي أن الذي طبعها بهذا الطابع المتميز هو القرآن الكريم إذ جعلها لغة الإعجاز، فهذه الميزة أضفت عليها هالة قدسية وأحاطتها بعناية ربانية هيأت لها من العوامل والسباب ما لم يتهيأ للغة غيرها، سواء قبل البعثة المحمدية أو بعدها، ولقد نبه إلى هذه الملاحظة المستشرق (بروكلمان) حيث قال: "بفضل القرآن بلغت العربية من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أية لغة أخرى من لغات الدنيا"[5].

ومن مظاهر هذا التهييئ أنها نشأت في أحضان الجزيرة العربية فأكسبتها من طبيعتها الخلابة الجمال والبهاء، ومن باديتها الشاسعة النقاء والصفاء، وصبت فيها كل لهجات القبائل العربية فثريت مفرداتها وخصبت تراكيبها، وترعرعت عبر الزمان فاكتسبت النضج والكمال واصطفاها الله تعالى لذكره الحكيم وزادها القرآن سموا وطهرا وتحصينا ومناعة، وحباها باهتمام وعناية العلماء، ومكنها الفتح الإسلامي من الذيوع والانتشار والتأقلم والتكيف، كما قامت بدور عظيم في نقل تراث الأمم المفتوحة وأسهمت أيضا في إثرائه وإغنائه، فكان هذا عاملا آخر من عوامل خصوبتها ورقتها.

وإذا كان أثر اللغات عامة في الأفراد والمجتمعات بالصورة التي أكدها كل من (فيشتة) و(سابير) سابقا، فما بالك بلغة تتوفر فيها كل تلك العوامل والأسباب الجمالية والروحية والحضارية... فمما لا ريب فيه أنها ستؤثر بالضرورة تأثيرا إيجابيا في المتحدثين بها فكرا ووجدانا وسلوكا.

وتأسيسا على هاتين الدعامتين سأحاول عرض بعض خصائص اللغة العربية وتبيين ما لها من آثار في تكوين شخصية المتعلم وتنمية قدراته الفكرية واللغوية.

الخاصة الأولى: الجوانية

من خصائص اللغة العربية أنها لغة التأمل الداخلي بخلاف اللغات الهندوأوروبية التي جعلت للتعبير عن نظام العالم الخارجي، وليس غريبا أن تتسم العربية بهذه الخاصة فهي لغة المعجزة القرآنية والوحي الإلهي، ومن مظاهر الجوانية في العربية ما تشتمل عليه من إيجاز في التراكيب ودقة في التعابير وإيحاء في الألفاظ وصدارة للمعاني، فهذه الصفات جميعا هي التي جعلتها جوانية ومثالية.

ولعل اللغة العربية قد تهيأت لهذه الجوانية منذ العصر الجاهلي كما يتضح من خلال سجع الكهان ومعلقات الشعراء فقد كان العرب يعتقدون بأنهم يستوحون كلامهم من الجن والشياطين، وذلك لما تشتمل عليه من سحر بياني وروعة بلاغية. ولا شك أن طبيعة الصحراء لها أثر أيضا في تكوين هذه الجوانية[6].

أما بعد الإسلام فقد اتخذت منحى مثاليا يصل العبد بربه ويطهره من أدران المادة ويرنو به إلى عالم القيم والمثل ويسخره إلى الدار الآخرة.

ولعل هذه الجوانية أيضا هي التي جعلت علماء الإسلام يرفضون ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى، ففي اعتقادهم أنه لا يستطيع التعبير عن معاني القرآن الكريم سوى اللغة العربية أما اللغات الأجنبية فقاصرة عن ذلك. والحقيقة أن صفة الجوانية هذه لا يشعر بها إلا من نشأ على التحدث بالعربية وتعمق في أسرارها ووقف على لطائفها.

وغير خاف أن الجوانية تدعو إلى التجريد، والتجريد قوام العلوم العقلية النظرية، ومن هنا كان لهذه الخاصة أثر هام في تكوين الاستعداد إلى تقبل العلوم التجريدية والميل إليها لدى متعلم العربية، وهذا ما يعلل تفوق العرب في الميدان العلمي إبان عصورهم الزاهرة، قال المستشرق (لوي ما سنبون) في هذا الصدد: "في العربية بفضل تركيبها الداخلي وطراز الخلوة التي توحي به قدرة خاصة على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول، ومن هنا كان للعرب الفضل في استكشاف رموز الجبر وصيغ الكيمياء والمسلسلات الحسابية"[7].

الخاصة الثانية: الإيجاز

وهو صفة فطرية في العرب، فهم ميالون إليها بطبعهم، وخير الكلام عندهم ما قل ودل ومن مظاهر الإيجاز في العربية:

ـ إيجاز الحذف: وهو أنواع كثيرة فمنه حذف المفرد بما فيه حذف الحروف، وحذف الجملة، وحذف الجمل، وحذف المفرد عندهم أوسع. ومنه حذف المسند إليه والموصل...

 إيجاز القصر: وهو ما تزيد فيه المعاني على الألفاظ الدالة عليه بلا حذف، ومنه قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة). فهذه الآية الكريمة على قصرها تتضمن معاني كثيرة.

ـ العلاقة الضمنية: وبواسطتها تستغني العربية عن كثير من الروابط اللغوية بخلاف اللغات الأجنبية، ومن الأمثلة على ذلك قول الفرنسي(la classe est grande) بينما يقول العربي (القسم كبير) بدون حاجة إلى فعل الكينونة.

ـ المشترك: فبواسطته تستغني العربية عن كثير من المفردات الجديدة، ومن الأمثلة عليه لفظة (العين) فهي تعني (35) معنى، ولفظة العجوز لها (60) معنى* التراكيب البيانية: كالتشبيه البليغ مثلا ومنه قول المرقش:

النشر مسك والوجوه دنا  *** نيرو أطراف الأكف عنم

ـ الاستغناء عن الضمائر المنفصلة في تصريف الأفعال بخلاف اللغات الأجنبية، فالفرنسي مثلا يقول (j’ai pensé- je pense) بينما يقول العربي: (أفكر وفكرت) دون حاجة إلى استعمال الضمير المنفصل.

ـ الاشتقاق: فعن طريق الاشتقاق يتوصل للتعبير عن مختلف الدلالات دون اللجوء إلى كلمات جديدة، كما هو الشأن في اللغات الأخرى، ويحدث الاشتقاق في العربية إما بتغيير ترتيب الحروف في الكلمة أو بزيادة بعض الأحرف على أصولها، أو بتغيير حركاتها.

ومعلوم أن هذه الظواهر جميعا موجودة في اللغات الأخرى، إلا أن اللغة العربية أكثر استعمالا لها وتصرفا فيها، ولقد نوه العلامة ما سنيون بظاهرة الإيجاز في العربي فقال: "إن اللغة العربية لغة الغيب والإيحاء، تعبر بجمل قصيرة مركزة عما لا تستطيع اللغات الغربية أن تعبر عنه إلا في الجمل الطويلة الفضفاضة"[8].

ولا تخفى آثار ظاهرة الإيجاز في تنمية القدرات العقلية عند المتعلم، فإن من يتعود على فهم الدلالات المتعددة بألفاظ قليلة وتراكيب مقتضبة تقوم على علاقات ضمنية يتكون لديه استعداد للفهم وقدرة على التحليل والتركيب يلازمه مدى الحياة.

الخاصة الثالثة: الإعراب

الإعراب سمة إيجابية في اللغة العربية تدل على فصاحتها ورقتها، فلقد ثبت أن اللغات الأصلية الراقية كلها كانت معربة ومن بينها بالإضافة إلى العربية اليونانية واللاتينية والجرمانية، أما باقي اللغات فهي لهجات سوقية تفرعت عنها، والإعراب له أثر في تهذيب النطق والحفاظ، فجاهل الإعراب لا يفهم معنى قوله: (يخشى الله من عباده العلماء). فلولا نصب اسم الجلالة ورفع كلمة العلماء لما استقام المعنى، ومن فضائل الإعراب أيضا أنه يوضح الأساليب، فقولك مثلا: ما أحسن السماء (برفع أحسن وكسر السماء) يدل على الاستفهام، أما إذا قلت: ما أحسن السماء (بنصب أحسن والسماء) تعني التعجب.

فهذا الحذف الإضافي لا يتمتع به إلا متحدث العربية، والإعراب، على حد تعبير الدكتور عثمان أمين، مطلب العقل؛ إذ يجعل الممارس للغة نطقا أو سمعا أو كتابة يتوخى الوعي والفهم قبل الممارسة، فالمتحدث عليه أن يبذل جهدا عقليا لينشئ الأنساق اللغوية نشأ سليما وكذلك الشأن بالنسبة للقارئ أو الكاتب أو المستمع.

ولا أقصد الجهد العادي الذي يبذله كل ممارس للغة ما، وإنما أعني ذلك الجهد الإضافي الذي ينجم عن ضبط علامات الإعراب، وما ينجم عنه من عمليات صرفية عندما تصير الحروف من بين علامات الإعراب كما هو الحال في المثنى أو جمع المذكر السالم أو الأفعال الخمسة، فبفضل هذا الجهد الفكري الإضافي الناجم عن الإعراب يصير ذهن المتعلم متنبها ونشيطا، كما أنه ينمي قوة الملاحظة لديه ويعوده على التروي والأناة قبل إصدار الحكم ويكسبه القدرة على التحليل والتركيب وسرعة الفهم، ولا يجادل أحد في كون هذه العمليات مفيدة في تنمية القدرات العقلية.

كما أن للإعراب أثر آخر في تهذيب ذوق المتعلم، وذلك عندما يصير الإعراب ملكة وسليقة بالممارسة والمران فتصبح تلك العمليات بديهية لدى المتحدث يتحكم فيها الذوق بدل العقل، كما كان شأن العرب القدماء، فأساس الإعراب والفصاحة إنما هو الذوق الفطري السليم ولم يلجأ العلماء إلى تقعيد اللغة إلا عندما ضاعت السليقة وتسربت إلى العربية العجمية عن طريق المولدين بسبب اختلاط العرب بالعجم.

الخاصة الرابعة: الفصاحة

وأعني بالفصاحة سلامة النطق من كل ما يَمُجُّه السمع من الناحية الصوتية. وتتجلى هذه الظاهرة منذ الوهلة الأولى في العربية من خلالها أبجديتها فهي تشتمل على حروف إضافية لا توجد مجتمعة في غيرها من اللغات وهي: (الثاء، والحاء، والخاء،..والزاي، والعين، والغين، والضاد، والظاء، والقاف، والهاء)، فهذه الحروف جميعا تدل على فصاحة النطق في اللغة العربية، ولا يخفى أن نطقها يتطلب مجهودا إضافيا في الجهاز الصوتي، وبالتالي فإنه يقوي أعضاءه ويجعلها أكثر تمرنا، ويكسبه القدرة على الإفصاح والنطق السليم لمختلف أنواع الأصوات، ندرك هذا عندما نقارن بين قدرات الجهاز الصوتي عند الأجنبي وقدرته عند العربي، فالمتحدث الأجنبي يشعر بمشقة قصوى وهو يحاول نطق الحروف العربية وعلى العكس من ذلك لا يجد العربي أي عناء في نطق الحروف الأجنبية، وليس هناك من تعليل لهذه الظاهرة سوى أن الجهاز الصوتي عند الأول خامل بعض الشيء وغير متمرن بما فيه الكفاية، بينما الجهاز الصوتي عند الثاني يتمتع بكل طاقاته الصوتية ومتمرن كل التمرن، وما ينطبق على الجهاز الصوتي يجري على حاسة السمع بالنسبة لكل منهما، فعند العربي حاسة السمع نشيطة ومتمرنة بخلافها عند الأجنبي، لأنها عند الأول تستقبل مختلف أنواع الأصوات أثناء تلقيها للكلام العربي ومتدربة على فك مستوياتها بدقة متناهية.

وهذه القدرة الإضافية في النطق والسمع الناجمة عن شمولية أبجدية العربية لها أثر فعال في تنمية القدرة اللغوية عند متعلم العربية، فهو يتمرن منذ طفولته نطقا وسمعا على مختلف أنواع الأصوات، مما يجعله أقدر على الإفصاح ويحشد حاسة السمع لديه.

وبالإضافة إلى هذه الظاهرة فإن في العربية كثيرا من الظواهر الصوتية الأخرى التي تعمل أيضا على تهذيب النطق وتجعله مستساغا في السمع، مثل: الإعلال والإبدال والإدغام وعدم الابتداء بالسكون والوقوف عند الحركة والإمالة، ومما يندرج في هذا الإطار أيضا كون مقاطع الكلمات العربية قليلة بالنسبة لمقاطع كلمات اللغات الأخرى، فأغلبية ألفاظ العربية تتكون من أربعة مقاطع ولا تتعداها إلا نادرا، والعرب ينفرون من الكلمات الكثيرة المقاطع، أما إذا توالت فيها حروف متنافرة من حيث المخارج رموها بعدم الفصاحة، فمن عيوب الفصاحة عندهم تنافر الحروف، وكذلك الحال بالنسبة للمعاظلة الناجمة عن توالي الصفات أو الإضافات... كل هذا التماسا للتخفيف ودفعا للثقل وحفاظا على جمال الصوت وعذوبة النطق. وهذه الظواهر كافة لها تأثير إيجابي في النمو اللغوي عند متعلم اللغة العربية، كما أن لها أثرا آخر في تهذيب ذوقه وإرهاف حاسة السمع لديه.

الخاصة الخامسة: الطبيعية

تتجلى هذه الخاصة أولا في طريقة كتابة اللغة العربية من جهة اليمين إلى الشمال، فلقد أثبتت التجارب العلمية أن هذا لاتجاه الحركي مطابق للحركة الفيزيولوجية الطبيعية عند الإنسان.

ولعل أول من تنبه إلى هذه الظاهرة من الباحثين المستشرق هنري لوسل، قال في إحدى مقالاته داعيا إلى تعليم اللغة العربية في المدارس الفرنسية: "... ويستوقف نظره (يقصد التلميذ الأجنبي) في الوقت نفسه سير الكتابة العربية من اليمين إلى الشمال، ولكن هذا السير يبدو مطابقا لحركة فيزيولوجية على أكثر اتفاقا مع الطبيعة"[9].

وإن هذه العملية الحركية تكسب متعلم العربية مهارة يدوية سليمة موافقة للحركة الطبيعية بالنسبة لجسم الإنسان بخلاف كاتب اللغات الأخرى.

وما الصعوبة التي يشعر بها الأجنبي عندما يكتب العربية من اليمين إلى الشمال إلا نتيجة عادته السيئة التي تعود عليها وهو يكتب بطريقة لغته المعاكسة للحركة الطبيعية عند الإنسان.

وتتجلى خاصة "الطبيعة" أيضا في كون العربية لا تضبط حروفها بالحركات عادة، بخلاف اللغات الأجنبية، مما يجعل طريقة إدراك النسق اللغوي العربي تتم بصورة مطابقة لطريقة عملية الإدراك الطبيعية عند الإنسان، فالنسق اللغوي قي العربية يدرك أولا ككل ويحلل بعد ذلك ثم يركب من جديد فيفهم المقصود منه، ولا تدرك دلالة الكلمة إلا من خلال النسق، وهذه العملية مطابقة للرؤيا الجمطالتية التي تنطلق من الكل إلى الجزء. وليس معنى هذا أن هذه الطريقة في الإدراك خاصة باللغة العربية، وإنما تجري على اللغات جميعا، غير أن العربية أكثر تحقيقا وتطبيقا لها، لأنها – كما قلت سابقا – لا تضبط حروف كلماتها. وهذا الإدراك اللغوي الأكثر طبيعية سيعمل لا محالة على تنمية القدرة الإدراكية عند متعلم اللغة العربية بطريقة سليمة تساير عملية الإدراك الطبيعية عند الإنسان.

وهناك ظواهر أخرى في اللغة العربية مسايرة للخصائص الطبيعية عند الإنسان أجملها الدكتور عثمان أمين فقال: "وجملة القول إن العربية بطبيعة بنيتها وتركيبها تعين الذهن الإنساني على أن يسلك الطريق الطبيعي في تحصيل المعرفة، وأعني بذلك أنها تعينه على الانتقال انتقالا ميسرا مما هو "معطى" وما هو "ظاهر" إلى ما هو "خفي" وما هو "باطن". ومنطق التفكير في اللسان العربي منطق "صاعد" أعني أنه يسير دائما من الأدنى إلى العلى ومن البراني إلى الجواني"[10].

الخاصة السادسة: المثالية

وأقصد بها مثالية المعاني الرائجة في اللغة العربية، فمعظم معانيها يندرج في إطار "المثالية" سواء في العصر الجاهلي أو بعد مجيء الإسلام.

فالمطلع على الشعر الجاهلي يجد فيه كثيرا من المعاني المثالية كالشهامة والشجاعة، والصبر والجلد، والجود والكرم والعزة والإباء، والتضحية والوفاء، والمروءة والنجدة والتعلق بالجمال، وحب الخير، وإيثار الحق... وهي معاني جبل عليها الإنسان العربي منذ القدم بحكم طبيعة بيئته الصحراوية. ولقد أشار الدكتور نجيب البهبيتي إلى هذه الظاهرة في معرض حديثه عن خصائص الشعر الجاهلي فقال: "... وتجده في انتحاءاته الفكرية، وفي إدراكه معنى الفضائل وفي تقويمه لها، وفي الواقع ما يبشع ويقبح، ولكنه كثير الصدوف عن هذا النحو منه، شديد التعلق بالجميل والأقوم"[11].

أما بعد مجيء الإسلام فلقد طبعت معاني العربية بالطابع الإسلامي الروحي وانتشرت المعاني الإسلامية المتعلقة بالعقائد والعبادات والمعاملات عاقبة بالطهر والإيمان فعرضت أسماء الله الحسنى وقصص الأنبياء، وتحدثت عن الملائكة والجنة والنار والصراط والقيامة والصوم والزكاة والبر والإحسان... وغيرها من المعاني التي تحبب الفضائل وتحرم الرذائل.

وكان من حسن حظ العرب أن اصطفى الله تعالى لغتهم لكتابه العزيز، الكتاب الذي يكرم الإنسان ويسمو به إلى عالم القيم والمثل ويخرجه من الظلمات إلى النور.

وإن لغة تحتوي هذه المعاني المثالية الطاهرة لا بد أن تؤثر في شخصية المتحدث بها، وحسب متعلم العربية أنه بواسطتها سيفهم معاني القرآن الكريم الذي يحافظ على إنسانية الإنسان ويسمو به إلى عالم القيم والمثل ويخرجه من الظلمات إلى النور.

وإن لغة تحتوي هذه المعاني المثالية الطاهرة لا بد أن تؤثر في شخصية المتحدث بها وحسب متعلم العربية أنه بواسطتها سيفهم معاني القرآن الكريم الذي يحافظ على إنسانية الإنسان بما فيها من خصائص مادية وروحية، وفردية واجتماعية في نسق متواز ومتزن.

هكذا يتضح لنا أن اللغة العربية بكل مستوياتها (التركيبية والصوتية والصرفية والدلالية والرسمية) وبطبيعتها الإعرابية، لها أثر فعال في تنمية شخصية المتعلم وقدراته اللغوية والعقلية، وإذا كان المستشرق (إدواردفان ديك) قال عنها إنها: "من أكثر لغات الأرض امتيازا، وهذا الامتياز من وجهين: الأول من حيث ثروة معجمها، والثاني من حيث استيعاب آدابها"[12]. فنحن سنضيف إليها ميزة ثالثة وهي آثارها التربوية الإيجابية.

الهوامش

 


1. كتاب: اللغة والفكر: لهنري دولاكروط باريس 1930. (باللغة الفرنسية).

2. الاتجاه إلى السيميولوجيا المعاصرة: لمرسيليو داسكال. (سلسلة البحث السيميائي. صك 50–51).

3. نداءات إلى الأمة الألمانية: لفيشتة الألماني، (مجموعة تراث الإنسانية) م: ((2) ع: (3) مارس 1964.

4. أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة: ذ. نايذ خرما/  ص220.

5. موجز في علم اللغات السامية: بروكلمان (باللغة الفرنسية) /  ص41–42.

6. انظر كتاب: تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي): د. شوقي ضيف.

7. المؤلفات الصغرى: لوي ماسنيون، ط بيروت 1963 (باللغة الفرنسية)، م: 2،  ص625.

8. المرجع السابق.

9. جويده لومنه (الفرنسية) ع: 3 شتمبر 1964. مقال بعنوان: (اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية يزودان الدارس لهما بنظرة جديدة إلى العالم).

10. فلسفة اللغة العربية: د. عثمان أمين (سلسلة المكتبة الثقافية) ع: 144 ط القاهرة 1965،  ص40.

11. تاريخ الشعر العربي: نجيب البهبيتي. ط (3) بيروت 1967.  ص3.

12. تاريخ العرب وأدبهم: للمستشرق إدوارد فان ديك طك 1894 (باللغة النجليزية)  ص40–41.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القاعدة التشريعية وارتباطها بالقاعدة الخلقية

القاعدة التشريعية وارتباطها بالقاعدة الخلقية

من المشكلات المعقدة المطروحة للنقاش، والتي قام حولها جدل عميق بين المهتمين بفلسفة القانون، مشكلة العلاقة بين القانون والأخلاق . وقد ظهر هذا الجدل مع البدايات الأولى للفكر الفلسفي المعاصر، ثم تنامى بشكل لافت للنظر في الولايات المتحدة وبريطانيا في الربع الأخير من القرن الحالي، بعد تعاقب صدور التشريعات التي تبيح بعض الأفعال المنافية للأخلاق...

في الفكر اليهودي والكتب المقدسة لدى اليهود )الجزء الأول(

في الفكر اليهودي والكتب المقدسة لدى اليهود )الجزء الأول(

 في سياق الحوار القائم بين الأديان السماوية على اعتبار أنها ذات رسالة واحدة، ومن مشكاة واحدة، تغيب جملة من الحقائق الدينية، والمعطيات التاريخية التي تميز هذه الرسالة عن تلك، أو هذا الدين عن ذلك، وكأنها من حيث الورود أو الثبوت والدلالة شيء واحد لا فرق...

رسالة الشباب ومخاطر الطريق

رسالة الشباب ومخاطر الطريق

الشباب هو سن الآمال العريضة والطموحات الكبيرة وسن البذل والفداء والهمم المتوثبة  وهي مرحلة تتميز بأنها مرحلة ميلاد جديد حيث يواجه الشباب تغيرات شاملة في مختلف الجوانب الفيزيولوجية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، لذا كان موضوع الشباب موضوعا جذابا محببا إلى نفوس المربين والمصلحين في كل جيل وهو موضوع جليل له أهميته الخاصة التي تأتي من كون الشباب صلة الوصل بين الأجيال...