6 ربيع الأول 1440 / 14 نونبر 2018
فعاليات الرابطة

الصحابة الكرام في التراث المغربي الأندلسي

 بمبادرة من مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء؛ انعقدت بطنجة يومي الأربعاء والخميس 25-26 صفر1431ﻫ الموافق: 10-11 فبراير2010م، ندوة علمية دولية في موضوع "الصحابة الكرام في التراث المغربي الأندلسي"، وتميزت الندوة بمشاركة العديد من الباحثين المشاركين من ليبيا والجزائر وتونس والسعودية.

انصبت مداخلات الندوة حول سبعة محاور، وجاءت كالتالي: دخول الصحابة لبلدان الغرب الإسلامي وأثرهم في نشر الإسلام؛ منزلة الصحابة الكرام عند علماء الغرب الإسلامي؛ الصحابة في كتب العقائد المغربية الأندلسية؛ الصحابة في الدراسات القرآنية عند علماء الغرب الإسلامي؛ جهود علماء الغرب الإسلامي في الدفاع عن الصحابة وتحقيق مواقفهم؛ مؤلفات علماء الغرب الإسلامي في الصحابة؛ وأخيرا، الصحابة في الأدب المغربي الأندلسي، حيث تناوب ما يزيد عن ثلاثين أستاذا باحثا، واستوعبت مشاركاتهم جميع المحاور المقررة.

وأكد فضيلة الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، في افتتاح أشغال الندوة أن "الصحابة هم الدائرة النورانية التي التقت حول النبي -صلى الله عليه وسلم- بحيث كانوا هم النقلة، بالإضافة إلى أقوله وأفعاله وتقريراته -صلى الله عليه وسلم- نقلوا لنا أعماله الشريفة في كل سنة من السنن العملية التي وصلتنا"، وأنهم بمثابة "الأقمار التي انعكست عليها شمس النبوة، فأخذوا هذه الأنوار وعكسوها على أجيال الأمة"، مستشهدا باجتهادات الإمام مالك بن أنس –رضي الله عنه- إمام دار الهجرة؛ والذي عَدَّ عمل أهل المدينة أصلا من أصول مذهبه المعتبرة، وهو فعل فصيح منه، وقول فصيح، بوأ المذهب المالكي في الشرق والغرب وصلا وثيقا بسلف هذه الأمة. وهو ما تنبه إليه الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما منع الصحابة من مغادرة المدينة، لما حازوه من صفات وخصائص اكتسبوها من مصاحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الصحابة بين التاريخ الموثق والموروث الشعبي

أما عبد الهادي حميتو، عضو الرابطة المحمدية للعلماء، فنوّه في مستهل مداخلة له جاءت تحت عنوان "الصحابة الكرام في المغرب بين التاريخ الموثق والموروث الشعبي"، بمبادرة الرابطة المحمدية في اختيارها لهذا الموضوع ليكون مجالا لتبادل الأفكار وتوحيد الرؤية في هذه الظرفية التي شهدت بمناسبة عاشوراء كالعادة في كل سنة هجوما شرسا من بعض القنوات المرئية الموجهة توجيها رافضيا مقيتا تبث من خلال عروضها وبرامجها أخبارا ملفقة وأقوالا بذيئة تنسبها لآل البيت النبوي فيها من الطعن في الصحابة الكرام والحط من مناصبهم الشريفة، مما يستدعي من الجهات المعنية بقضايا الأمة الكبرى وصيانة بيضتها وحفظ حرمـاتها والذود عن مقدساتها.

وركّز المتدخل في محاضرته عند الجانب التاريخي لفتح المغرب، وتحديدا، على ذكر الصحابة الفاتحين وأعدادهم وأسمائهم، وآثار وجودهم في الجيش في رفع المعنويات والتماس البركات، كما تتبع أخبار تلك الفتوحات التي توجهت إلى مصر وإفريقية وجزر البحر الرومي كصقلية والحملات المبكرة نحو القسطنطينية والأندلس، موردا النقول التاريخية التي تتحدث عن مشاركة الصحابة في تلك الوقائع، ومركزا بصفة خاصة على النشاط القيادي لعقبة بن نافع المعدود من الصحابة بالمولد والإدراك، وما كان له من مشروع ريادي في فتح المغرب بجميع أقطاره وأطرافه، وتحدث أيضا عن حملاته المتعددة وولايته أخيرا وبنائه للقيروان التي أصبحت قاعدة المغرب ومنطلق الفتوحات نحو المغرب والأندلس، وتتبع أطوار الفتح عند عقبة ابن نافع إلى منتهى أثره في فتحه لإفريقية وبلاد الزاب والمغرب الأوسط وبلاد طنجة وما يليها، وتحويل خط سيره من جهة المجاز والأندلس إلى الجهات الداخلية من بلاد وليلي وصنهاجة ودرعة ومصمودة ونفوسة وصحراء لمتونة والسوس الأقصى، والعودة عن طريق ماسة وإيجلي وتارودانت وآسفي ودكالة ثم نفيس ومصودة وأغمات، واختراق قبائل الأطلس إلى الوصول إلى الزاب حيث استشهد رضي الله عنه مع زهاء ثلاثمـائة معه من الصحابة والتابعين وهو في طريقه إلى القيروان.

أما عبد القادر بوباية من جامعة وهران الجزائرية، فحاضر في موضوع "أثر الصحابة الكرام في انتشار الإسلام ببلاد الغرب الإسلامي"، متبنّيا الإجابة على جملة من الأسئلة التي افتتح بها مداخلته، من قبيل: أثر الصحابة في انتشار الإسلام ببلاد الغرب الإسلامي، أسماء الصحابة الذين شاركوا في فتوح بلاد الغرب الإسلامي، نشاطات الصحابة في سبيل إرساء قواعد الدين الإسلامي بين أهالي المناطق المفتوحة، في حين توقف فيصل الشرايبي، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء، عند موضوع "شعر الصحابة في الدراسات الجامعية المغربية: شعر عمرو بن العاص نموذجا"، من خلال إبراز جانب غير معروف من حياة الصحابي الجليل عمرو ابن العاص، ويتعلق الأمر بالجانب الشعري في حياته؛ محاولا تتبع هذه اللحظات الفنية من حياة هذا الصحابي، وجمع ما تفرق من شعره في المصادر وبذلك تكون لدى المتلقي ديوان شعري يدخل في باب صناعة ديوان شعر عمرو بن العاص الذي يُعدّ مرآة لحياته الفنية، وفيها تنعكس رؤى الشاعر وعواطفه ومشاعره.

 شعر الصحابة وصورتهم في الشعر الأندلسي

"صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الشعر الأندلسي"، هو عنوان مداخلة محمد المعلمي، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وخلًصت مداخلته إلى ثلاثة أمور: أولها: إن توظيف الشعر الأندلسي لأسماء الصحابة، كان باعتبارهم المثال الإسلامي في القول والفعل؛ وثانيها: إن الاحتفاء بأسماء الصحابة، حمل في طياته تخليدا لمواقفهم وبطولاتهم التي هي من كنوز تاريخ الإسلام وحضارته؛ وثالثها: إن استلهام أسماء الصحابة ومواقفهم في مضمار الشعر، يبقى دعوة دائمة لكل الشعراء المسلمين للنهل من معين التاريخ الإسلامي المليء بنماذج بطولية سامية، عوض الانبهار بنماذج من خارج نطاق الهوية الدينية والحضارية والتاريخية، بينما ارتأى محمد الحافظ الروسي، من نفس الكلية التوقف عند موضوع "شعر الصحابة من خلال كتاب منح المدح لابن سيد الناس"، عبر النظر في شعر الصحابة من خلال مؤلف لأحد الأندلسيين وهو ابن سيد الناس الإشبيلي دفين القاهرة من جهة ضبط النسبة والتوثيق، وما يترتب على ذلك من معرفة صحة كثير من هذا الشعر من عدمها، ومعرفة أثره الحقيقي في الشعراء، ومعرفة خصائصه، وهل هو علامة على كثرة المدح وشدة التعلق فقط، أو هو علامة على أمور أخرى، يتطرق لها البحث، تتعلق باللاحقين أكثر من تعلقها بجيل الصحابة.

واختار نور الدين قراط، من جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ وجدة، التدخل في محور "الصحابة عند مفسري الغرب الإسلامي"، من خلال موارد ذكر الصحابة في آي القرآن الكريم، في مختلف مراحلهم وظروفهم كلها، وذلك في إطار تفسيرات واستنباطات وتحليلات مفسري الغرب الإسلامي لهذه النصوص القرآنية، مُبرزا حجم المساهمة التي قدمها مفسّرو الغرب الإسلامي في هذا المجال، وذلك مثل: إيمـانهم بالله وبرسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وثناء الله عليهم بدون استثناء أحد منهم، ومدى صدقهم في تحمّلهم مسؤولية الدعوة، وأنهم أوذوا في سبيلها، وجهادهم في سبيل الله، بالإضافة إلى ما كانوا يتصفون به من أخلاق سامقة، في كل حركاتهم وسكناتهم وفي معاملاتهم كلها، حتى صاروا أئمة في الصلاح والفوز إلى يوم الدين، في تقاطع ما جاء في مداخلة محمد المنتار، رئيس موقع الرابطة المحمدية للعلماء، والذي حاضر في موضوع "منهج الصحابة في الكشف عن مقاصد الشريعة عند الإمام الشاطبي"، مذكرا الحضور بأنه من الطرق التي يمكن التعرف بها على مقاصد الشارع، الاهتداء بالصحابة -رضوان الله عليهم- والاقتداء بهم في فهم الأحكام من الكتاب والسنة وتطبيقها على الواقع وذلك لما توفر فيهم من صدق الإيمان وفصاحة اللسان، وأصول البيان، ومعاصرتهم لنزول القرآن، ومشاهدتهم لمن كُلّف ببيان القرآن بأفعاله وأقواله وتقريراته -صلى الله عليه وسلم-؛ ولأنهم أفهمُ الأمة لمراد نبّيها لخصوصياتهم في هذا الجانب؛ فقد دندنوا كثيرا حول معرفة مراد الشارع ومقصوده، فعللوا الأحكام، واستنبطوا الحِكم والمصالح المطلقة والمقيدة واستحضروا الأعراف والعادات وراعوا القرائن والسياق متسلحين بالاستقراء التام.

 في نصرة الصحابة وذكر مكارمهم

"مكانة الصحابة في المذهب المالكي: مالكية الغرب الإسلامي نموذجا"، هو عنوان محاضرة ألقاها محمد التمسماني، وهو أستاذ التعليم العالي بكلية أصول الدين بتطوان، واستهل محاضرته بتذكير الحضور الكريم بإجماع السلف على أن الصحابة الكرام، كانوا كلهم عدول مرضيون ثقات أثبات، وأنهم جسّدوا الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله -عزّ وجلّ- مضيفا أن الإمام مالكا -رحمه الله تعالى- وهو من أعظم أئمة السلف، كان من أول من انتبه إلى أهمية مكانة الصحابة في الملة علما وعملا وتشريعا وتربية، وتميز منهجه رحمه الله تعالى في التعامل مع القضايا الخمس الكبرى المتعلقة بمقامهم بالتأسي والاتباع، والوسطية والاعتدال، وجاءت هذه القضايا كالتالي: العدالة، الرواية، القدوة، المفاضلة والحرمة، كما عرف عنه رحمه الله تعالى حبه الشديد لهم، وتلقه القوي بمقامهم، فكان يرى أفضليتهم على سائر الأمم واستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة، جعل للتأسي والاقتداء بسنتهم منزلة الصدارة في منهجه الفقهي الاستنباطي.

وبالنتيجة، يضيف محمد التمسماني، اهتدى المالكية وأهل الغرب الإسلامي منهم على وجه الخصوص، على ضوء الاستقراء إلى مواقف إمامهم وآرائه وأحكامه فاهتموا بها كثيراً، واعتنوا بها أيما عناية، حتى طفحت كتبهم ومصنفاتهم  بنقلها وحكايتها، مؤكدا على أن الموجود بين أظهرنا حافل بالنصوص والأمثلة والشواهد، وهذا عين ما فصّل الكلام فيه في ثنايا محاضرته.

وتعرض عبد الرحمن بودرع، من جامعة عبد المالك السعدي، ب كلية الآداب بتطوان، لموضوع "منهج علمـاء الأندلس في الترجمة للصحابة وتحقيق مواقفهم"، من خلال دراسة منهج علمـاء الأندلس من الفقهاء وأصحاب التراجم، في الترجمة للصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وتحقيق مواقفهم، وذكر مناقبهم، والعناية بهم، مُتخذا من كتاب "لاستيعاب في معرفة الأصحاب" بن عبد البر القرطبي (توفي 463ﻫ)، وكتاب "العواصم من القواصم" في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، للقاضي أبي بكر بن العربي (توفي 543ﻫ) أنموذجين من نماذج الكتب والمصنفات التي اعتنت بالترجمة للصحابة الكرام، في حين ارتحل بنعيسى أحمد بويوزان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله، الكلية متعددة التخصصات تازة، عند موضوع "منهج الدفاع عن الصحابة الكرام بين أبي محمد بن حزم وأبي بكر بن العربي"، مؤكدا بداية، أنه كان للمغاربة والأندلسيين حماس عميق في الذَّبِّ عن الصحابة -رضي الله عنهم- والانتصار لهم على أهل البدع والأهواء، ممن تنقصهم، أو حاول النَّيْلَ من مكانتهم التي بوأهم الله -جل وعل-ا إياها، أو ممن طعن فيهم -رضوان الله عنهم- وقد توقف في هذا المقام بالتحديد عن أبي محمد بن حزم الأندلسي وأبي بكر بن العربي المعافري، واللذان كان لهما القسط الأوفر في ذلك الدفاع، حيث نجد في ما ألفاه في هذا الباب مادة علمية غزيرة جدا، تظهر علو كعب الأندلسيين والمغاربة على السواء، في التصدي لأهل الباطل والغلو في الدين من مختلف الأهواء والمذاهب والنحل، حيث نجدهما يقارعون الحجة بالحجة، ويردون على الشبهات والأباطيل التي أثيرت حولهم -رضوان الله عنهم- ببراهين وأدلة عقلية ونقلية غاية في الدقة والصواب والإفحام.

وعلاقة بمآزق وقلاقل الانتقاص من مكانة الصحابة الكرام، حاضر عبد الله البخاري، من جامعة ابن زهر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، في موضوع "موقف علماء الغرب الإسلامي من منتقصي الصحابة -رضوان الله عليهم- مؤكدا أنه لمَّا كانت الرسالة كبيرة والأمانة ثقيلة، اختار الله له أصحاباً وحواريين من بين الخليقة، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فرباهم إمام المربين تربية أصبحوا معها يُقدِّمون خدمة الرسول والرسالة على أنفسهم والناس أجمعين، مضيفا أنه لمَّا انتشر نور الإسلام، بدأ الكيد له من قبل من سقطت عروشهم، وذهبت ممالكهم، فسلكوا كل مسلك للنيل منه ومن أتباعه، فكان مما أوحت به إليهم شياطينهم من الجن والإنس، تقمص الإسلام ثم هدمه من داخله، وذلك بالطعن في الحلقة الأولى من حلقات الاتصال بين الأمة الإسلامية ونبيها الخاتم، وهي حلقة تمثل جيلاً إذا أُسقطت عدالته سقط الدين كله، وهذا هو هدفهم المنشود، ولخطورة هذا الكيد، حسب عبد الله البخاري، كان المسلمون له بالمرصاد منذ البداية؛ فحاربوا هذا الفكر الدخيل، وجعلوا ذلك من أولوياتهم حتى أدخلوه في جملة عقائدهم إذ الأمر خطير، وكان ممن أسهموا في محاربة هذا الفكر الدخيل علماء الغرب الإسلامي الذين حماهم الله -بسبب تمسكهم بالمذهب المالكي الخالي من البدع والأهواء- من هذا الفكر العقيم، فكانت لهم مواقف مشرقة في الدفاع عن مكانة الصحابة والرد على منتقصيهم؛ مما لو جمع لكان في مجلد نفيس.

وتقاطعت محاضرة عبد الله البخاري مع المحاضرة التي ألقاها عبد اللطيف الجيلاني، من مركز الدراسات والأبحاث بالرابطة المحمدية للعلماء، في موضوع "منزلة الصحابة الكرام والرد على مناوئيهم في أشهر المنظومات العلمية بالمغرب والأندلس"، حيث قسّم بحثه إلى مدخل وثلاثة مباحث، تناول في المدخل نبذة وجيزة عن مكانة الصحابة عند علماء الإسلام عموما وعلماء المغرب والأندلس بصفة خاصة، وبيَّنَ فيه أيضا اهتمامهم بتقرير ذلك بواسطة النظم كما هو الشأن بالنسبة للنثر، مؤكدا قيمة النظم في الحياة التعليمية بالبيئة المغربية والأندلسية منذ القدم. وفي المبحث الأول عرض قائمة بما وقف عليه من المنظومات المغربية الأندلسية في الصحابة الكرام، وخصّصَ المبحث الثاني لبيان منزلة الصحابة والرَّدِّ على مناوئيهم في مجموعة من أشهر المنظومات المغربية الأندلسية، وأما المبحث الثالث فتناول فيه قصيدة أبي عمران الأندلسي الواعظ في مدح أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، مُعَرِّفا بناظمها، وكاشفا حقائق جديدة لم يطلع عليها جميع الباحثين الذين درسوا هذه المنظومة أو نشروها، ثم تناول قيمتها ومكانتها عند العلماء ومبينا طبعاتها ونسخها المخطوطة في مختلف الخزائن والمكتبات.

وتكفّل طارق طاطمي، من مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث بالرابطة المحمدية للعلماء، بالخوض في أهم معالم مؤلفات علماء الغرب الإسلامي في الصحابة الكرام، مُذكرا الحضور باجتهاد العلماء المغاربة في وضع تصانيف جليلة تعرّف بالصحابة -رضي الله عنهم- بذكر سيرهم وأحوالهم ومناقبهم ومختلف مناحي حياتهم، حتى كثُرت المصنفات في هذا الباب وتعددت بشكل تعذّر معهُ جمعها وعدّها، وقد كان السبق في ذلك لعلمائنا المشارقة؛ إذ هم العمدة وعليهم المعوّل، وإلى جانب هذا السبق المشرقي، يضيف طارق طاطمي، ساهم علماؤنا في الغرب الإسلامي بحظ وافر من التصنيف في موضوع الصحابة، حيث عبّروا من خلاله عن حبّهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآله وأزواجه وذرّيته وأصحابه -رضي الله عنهم أجمعين- وعن تمسّكهم بعقيدة أهل السنة والجماعة ونبذ كلّ ما خالفها في الأصول.

مكانة الصحابة عند علماء المغرب

وتناول المهدي السعيدي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، موضوع "الصحابة الكرام في التراث السوسي"، مؤكدا أن إحاطة الصحابة في تراث المغرب عامة وعلماء سوس وفقهائها خاصة، لم يتوقف عند مرتبة التبجيل والاحترام، وإنما امتد، كما نطلع على ذلك في التراث العلمي الأمازيغي، إلى تحرير تراجم العلماء للكتب الشرعية في المواعظ والرقائق المعبرة، وكلها مبادرات وإشارات على توحُّد وجدان المغاربة في التعلق بشريعة الإسلام ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتبجيل صحابته بالرغم من اختلاف طريقة التعبير ولسانه.

ولم تختلف الأمور في هذا الصدد مع واقع وصورة الصحابة الكرام في التراث الأندلسي الأعجمي، كما توقفت عند ذلك فدوى الهزيتي، من جامعة الحسن الثاني عين الشق، كلية الآداب بالدار البيضاء، إلى درجة اختزالها الدال لهذا التعامل في شعار: "صور من الانتماء في زمن اللاانتماء"، متوقفة مليّا في مداخلتها القيّمة عند مُميزات التراث الأندلسي الأعجمي، وكذا المكانة التي حظيت بها الحياة وسيرة الصحابة الكرام وتمثلاتها وأبعادها عند الأندلسيين؛ ومُقدّمة نماذج من المخطوطات الأندلسية الأعجمية حول حياة وأحاديث الصحابة الكرام ومتسائلة عن طبيعة النصوص التي كتبها الأندلسيون في هذا المجال، والشخصيات التي نالت اهتمامهم، وأخيرا، التوقف عند دلالات العناية بحياة الصحابة لدى أندلسيين كان لهم أن يعيشوا تحت قانون ووطأة دولة غير إسلامية، رأت في تنصرهم الحل الوحيد لبقائهم فيها.

ونخصّص آخر ملخصات هذه الندوة العلمية المباركة لأهم ما جاء في مداخلة محمد العلمي، من كلية الحقوق بسلا الجديدة، والتابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وتدخل في موضوع "اتباع السنة عند المالكية وموقفهم من منتقصي الصحابة"، من خلال الاشتغال على نموذج مالكية الغرب الإسلامي خلال القرنين الثالث والرابع، مُذكّرا الجمهور الحاضر بأن علماء الإسلام، بحثوا في الصحابة من عدة جهات، واختص أهل كل علم بمقالات وقواعد متصلة بالصحابة الكرام حسب أهميتهم فيه؛ ففي كتاب الجامع من مؤلفات الفقه المالكي، يتعرضون إلى تعظيم قدر الصحابة ومحلهم من الدين، ووجوب توقيرهم وتفضيلهم، وحرمة الإساءة إليهم والطعن عليهم، كما يختص النوازليون منهم بالإجابة على ما يجدّ من واقعات يتعرض فيها بعضهم للصحابة أو يقدح فيهم أو تنتحل نحلة تفضي إلى الانتقاص منهم، كما توقف المتدخل عند اهتمام علماء السياسة الشرعية بالبحث في الصحابة باعتبار تأسيسهم لأول نظام إسلامي للحكم بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو النظام القدوة لكل الحكومات اللاحقة، وفيه تقررت القواعد الأساسية للحكم الراشد في التاريخ الإسلام؛ وأما في علم الكلام والتوحيد، فما كان الصحابة ليدخلوا في مباحث العقيدة وقواعدها، فهم بشر أتباع، منفصلون عن الوحي وعن المباحث النظرية للتوحيد، لولا ما تعرضت له أعراضهم من طعن وإزراء من طرف بعض الطوائف والفرق في عهد الفتنة وما بعدها، حيث خصّص الشيعة منذ نشأتهم العترة النبوية وذرية سيدنا الحسين بن علي بالمحبة والنصرة والتعصب، وأصابهم في ذلك غلو شديد، حيث أبطل الإمامية منهم عدالة من سواهم ممن خالفهم، بمن فيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وبنوا على فتن الصدر الأول عقائد وعبادات وعواطف جياشة ببغض نفر من كرام الصحابة، فيدعون على بعضهم ويلعنون بعضهم، ويعلون من شأن شانئيهم وقاتليهم؛ وفي المقابل، عادى النواصب آل البيت -رضي الله عنهم- وآذوهم قولا وعملا، وقد كثروا في زمن الأمويين والعباسيين، ثم انقرضوا ولم يقم لهم مذهب.

وارتأى المتدخل الترحال تحديدا مع مواقف المالكية في إفريقية من منتقصي الصحابة في القرنين الرابع والخامس، كأنموذج لإطباق المالكية على نصرة الصحابة ومحبتهم من جهة، ولتسننهم واتباعهم من جهة أخرى.

وجب التذكير في متم هذا المقال، أن الندوة شهدت أيضا إعلان أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، عن إنشاء مركز عقبة بن نافع الفهري للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعين الذي سيتخذ من طنجة مقرا له، ومركز ابن أبي الربيع للدراسات والأبحاث اللغوية الذي سيتخذ من تطوان مقرا له.

وانتهت هذه الندوة العلمية المباركة بجلسة ختامية ألقى فيها الأساتذة المشاركون كلماتهم حول سير أشغال الندوة، كما تطرق فيها عبد اللطيف الجيلالي رئيس مركز الأبحاث والدراسات بالرابطة المحمدية للعلماء، للتقرير التركيبي لأعمال الندوة.

 أهم توصيات الندوة

ـ ضرورة الاحتفاء بمصادر ثقافة الأمة وحضارتها من خلال ندوات ومؤتمرات ومنشورات ومطبوعات؛

ـ الاستمرار في اختيار هذه المواضيع، وتعميق البحث فيها لدى المغاربة والأندلسيين، وتداولها تداولا يناسب حاجيات العصر؛

ـ اختيار رحاب الجامعات والمؤسسات التعليمية لانعقاد أنشطة الرابطة المحمدية للعلماء ليعم إشعاعها بين صفوة الأساتذة والطلبة على السواء؛

ـ ربط الناشئة بأصولها الأولى ومنابعها الروحية، وتذكيرها بمكانة الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ودورهم في نشر قيم الإسلام وتعاليمه؛

ـ الاستفادة من المنهج التطبيقي للصحابة الكرام في فهم نصوص الوحي؛

ـ تحفيز الباحثين إلى الاهتمام بدراسة مناهج التربية والتعليم عند الصحابة الكرام وإدماجها في منظومة التربية والتكوين؛

ـ العمل على التعريف بالمؤلفات المفقودة للمغاربة والأندلسيين في الصحابة الكرام وإعادة بناء مادتها العلمية من خلال مصادر بديلة؛

الاعتناء بترجمة ونشر التراث الأندلسي الأعجمي المتعلق بحياة وسيرة الصحابة؛

ـ العمل على إصدار سلسلة خاصة بأعمال المغاربة والأندلسيين حول الصحابة الكرام، ونشرها في أوعية ورقية ورقمية لتعميم الفائدة منها.